ابن عجيبة
165
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
إنذارهم . والتعبير عن ذلك بنفي الظالمية مع أن إهلاكهم قبل الإنذار ليس بظلم ؛ إذ لا يجب عليه تعالى شئ - كما تقرر من قاعدة أهل السنة - ؛ لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك ، وتحقيقا لكمال عدله . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : يقول الحق جل جلاله ، في جانب أهل البطالة والغفلة : أفرأيت إن متعناهم سنين بالأموال والنساء والبنين ، فاشتغلوا بجمع الأموال والدثور ، وبناء الغرف وتشييد القصور ، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون من الموت ، والرحيل من الأوطان ، ومفارقة الأحباب والعشائر والإخوان ، أىّ شئ أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون به ، من لذيذ المآكل والمشارب ، ومفاخر الملابس والمراكب ، هيهات هيهات ، قد انقطعت اللذات ، وفنيت الشهوات ، وما بقي إلا الحسرات ، فتأمل أيها العبد فيما مضى من عمرك ، فما بقي في يدك منه إلا ما كان في طاعة مولاك ، من ذكر ، أو تلاوة ، أو صلاة ، أو صيام ، أو علم نافع ، أو تعليم ، أو فكرة ، أو شهود ، وما سوى ذلك بطالة وخسران ، فالوقت الذي تصرفه في طاعة مولاك ذخائره موجودة ، وكنوز مذخورة ، والوقت الذي تصرفه في هوى نفسك ضائع ، تجد حسرته يوم القيامة ، ففي الحديث : « ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مضت لهم ، لم يذكروا اللّه تعالى فيها » « 1 » قال يحيى بن معاذ : أشد الناس عذابا يوم القيامة من اغتر بحياته والتذّ بمراداته ، وسكن إلى مألوفاته ، واللّه تعالى يقول : أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ . . . الآية . وعن ميمون بن مهران : أنه لقى الحسن في الطواف ، وكان يتمنى لقاءه ، فقال له : عظني ، فلم يزده على تلاوة هذه الآية ، فقال : لقد وعظت فأبلغت . وعن عمر ابن عبد العزيز رضي اللّه عنه : أنه كان يقرؤها عند جلوسه ليحكم بين الناس . ه . وبالله التوفيق . ثم تمم قوله : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ، بقوله : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 210 إلى 213 ] وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ( 213 ) يقول الحق جل جلاله : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ ؛ بالقرآن ، الشَّياطِينُ ، ردا لما يزعمه الكفرة من أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة ، بعد تحقيق الحق فيه ، ببيان أنه نزل به الروح الأمين . وَما يَنْبَغِي لَهُمْ أي : وما يصح وما يستقيم لهم ذلك ، وَما يَسْتَطِيعُونَ إنزاله أصلا ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ أي : عن استراقة السمع من الملائكة لَمَعْزُولُونَ ؛ لممنوعون بالشهب ، أو : لانتفاء المشاركة بينهم وبين الملائكة في قبول الاستعداد ؛ لفيضان أنوار الحق ، والانتعاش بأنوار العلوم الربانية والمعارف القدسية ؛ لأن نفوس الشياطين خبيثة
--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في الشعب ( 513 ) عن معاذ بن جبل ، وعزاه السيوطي في الجامع الصغير ( ح 7701 ) للطبراني والبيهقي عن معاذ ، وحسّنه .